التبويبات الأساسية

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات، وتضيق فيه المساحات بين الانتماء الحقيقي والانحياز الضيّق، يصبح من واجبنا كمواطنين لبنانيين أن نعيد تعريف مفهوم الوطنية، لا كشعارٍ يُرفع عند الحاجة، بل كالتزامٍ أخلاقي، وكرامةٍ يومية، ومسؤوليةٍ ثابتة تجاه هذا الوطن.
الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالكلام ولا بالخطابات، بل بالموقف عند الشدّة، وبالقدرة على حماية الدولة حين تتصدّع، وبالوقوف إلى جانب مؤسساتها الشرعية التي تشكّل صمّام الأمان الأخير. وفي لبنان، حيث تهاوت الكثير من الركائز، بقي الجيش اللبناني المؤسسة الوطنية الجامعة، التي صمدت رغم كل التحديات، وحافظت على وحدتها وانضباطها وسط الانقسام والفوضى.
الجيش اللبناني ليس مجرّد مؤسسة عسكرية، بل هو تعبير حيّ عن فكرة الدولة التي نتمسّك بها. هو الضامن للأمن، والحامي للسلم الأهلي، والملاذ الأخير حين تتراجع كل أشكال الحماية الأخرى. ومن هذا المنطلق، فإن الوقوف إلى جانب الجيش ليس خيارًا سياسيًا ولا اصطفافًا ظرفيًا، بل فعل انتماء صادق، وواجب وطني لا يقبل المساومة.
غير أنّ دعم المؤسسة العسكرية لا يكتمل بالشعارات وحدها، بل يبدأ من الاهتمام بكرامة أبنائها. فالعسكري اللبناني، ضابطًا كان أم جنديًا، يتحمّل أعباء استثنائية في خدمة الوطن، في ظروف معيشية قاسية لم تعد تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه. راتبٌ لا يؤمّن الحد الأدنى من العيش الكريم، ومستقبلٌ غامض ينتظر كثيرين بعد انتهاء الخدمة، أحيانًا من دون تقاعد يضمن الاستقرار والطمأنينة.
كابنٍ لهذه المؤسسة، وكمواطنٍ لبناني، أؤمن بأن الوطنية لا تعني فقط الدفاع عن الحدود، بل أيضًا حماية من يدافع عنها. فلا يمكن بناء جيش قوي ومتماسك من دون تأمين مقوّمات العيش الكريم لعسكرييه، في الخدمة وبعدها. إن تحسين أوضاعهم المعيشية ليس مطلبًا فئويًا، بل استثمار في استقرار الدولة، وثقة الناس، ومستقبل الوطن.
في ظل الظروف الراهنة، تبقى الوطنية الحقيقية هي تلك التي تُترجم أفعالًا، وتُقاس بمدى قدرتنا على حماية مؤسساتنا، والوقوف إلى جانب جيشنا، وصون كرامة من حملوا عبء هذا الوطن بصمت وإخلاص.

العميد هاني غصين

صورة editor13

editor13